الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
قال الحافظ ابن القيم رحمه
:
"
وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير
ولما بناها المنصور أقدم إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا
فكان من أعيان المفتين بها
أبو عبيد القاسم بن سلام
وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا
وكان منهم
أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي
وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه
وكان أحمد يعظمه ويقول هو في سلاح الثوري
[[]]
وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق
أحمد بن حنبل
الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسُنَّة
حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة
وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب
وكان يحب تجريد الحديث
ويكره أن يكتب كلامه
ويشتد عليه جدا
فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا
ومن الله سبحانه علينا بأكثرها
فلم يفتنا منها إلا القليل
وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر
ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن
فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم
حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه
ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوي الصحابة
ومن تأمل فتاواه وفتاوي الصحابة رأى
مطابقة كل منهما على الأخرى ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة
حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان
وكان تحريه لفتاوي الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه
بل أعظم
حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء
في مسألة
قلت لأبي عبد الله
:
حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت
أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت
قال أبو عبد الله رحمه الله
:
عن الصحابة أعجب إلي
[][][]
وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول
الأصل الأول
النصوص
فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه
ولا من خالفه كائنا من كان
...
الأصل الثاني
من أصول فتاوى الإمام أحمد
ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها
لم يعدها إلى غيرها ولم يقل إن ذلك إجماع بل من ورعه في العبارة يقول لا أعلم شيئا يدفعه أو نحو هذا
...
الأصل الثالث من أصوله
إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة
ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكي الخلاف فيها ولم يجزم بقول
...
الأصل الرابع
الأخذ بالمرسل والحديث والضعيف
إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس
وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس
...
فصل الأصل الخامس القياس للضرورة
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة وقد قال في كتاب الخلال سألت الشافعي عن القياس فقال إنما يصار إليه عند الضرورة أو ما هذا معناه
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه وعليها مدارها وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لاختلاف الصحابة فيها أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين
وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف كما قال لبعض أصحابه إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام
"
المصدر إعلام الموقعين للحافظ ابن القيم م 1 ص 32